رأي وتحليل – علي أغوان
راديو موصل تايم

لا يمكن النظر إلى تمدد جماعة الحوثيين في المنطقة باعتباره تطوراً أمنياً محدوداً أو حدثاً عابراً، فاستمرار اتساع نطاق التهديد في البحر الأحمر وباب المندب قد يفتح الباب أمام تداعيات سياسية وأمنية واقتصادية تتجاوز حدود اليمن، لتطال دول المنطقة وأسواق الطاقة والتجارة العالمية.

إن استمرار هذا المسار قد يدفع بعض دول الخليج إلى زيادة إنفاقها على منظومات الدفاع والتسليح، ولا سيما في ظل المخاوف من استهداف الملاحة البحرية والمنشآت الحيوية. وهذا يعني، في المقابل، تدفق مليارات الدولارات إلى شركات السلاح والخدمات الأمنية الأمريكية والغربية، فضلاً عن احتمال تعزيز الحضور العسكري الأمريكي في مناطق استراتيجية كالبحر الأحمر والخليج وباب المندب.

لكن الأخطر من ذلك هو البعد الاقتصادي. فباب المندب يمثل أحد الممرات البحرية المهمة لحركة التجارة والطاقة بين الشرق والغرب، وأي إغلاق فعلي أو اضطراب واسع ومستمر في حركة الملاحة عبره يمكن أن يرفع تكاليف الشحن والتأمين ويؤثر في إمدادات الطاقة، بما قد ينعكس على أسعار النفط عالمياً. وفي سيناريوهات التصعيد القصوى، لا يمكن استبعاد ارتفاعات حادة في أسعار النفط، وإن كان تحديد رقم بعينه يبقى رهناً بحجم الأزمة ومدتها واستجابة الأسواق.

واللافت في التطورات الأخيرة أن تحركات الحوثيين تأتي في سياق إقليمي شديد الحساسية، وفي وقت لا يشهد بالضرورة مواجهة مباشرة واسعة بين الولايات المتحدة وإيران. وهذا يطرح تساؤلاً مشروعاً حول طبيعة هذه التحركات: هل هي نتيجة تطورات ميدانية متسارعة، أم أنها جزء من حسابات إقليمية أوسع يجري تنفيذها وفق توقيت سياسي وأمني محسوب؟

الإجابة ليست سهلة، لكن المؤكد أن توقيت أي تصعيد في المنطقة أصبح عاملاً لا يقل أهمية عن التصعيد نفسه. ففي حال تزامن هجوم واسع للحوثيين مع مواجهة أمريكية ـ إيرانية مباشرة، فإن قراءة الحدث ستكون مختلفة تماماً، وقد يُنظر إليه بوصفه جزءاً من مواجهة أوسع بين طهران وواشنطن، بما يرفع منسوب المخاطر ويهدد بتحويل البحر الأحمر والخليج إلى ساحات مواجهة مترابطة.

المشكلة الأعمق، في تقديري، أن المنطقة لا تزال تتعامل مع أزماتها بمنطق رد الفعل. كل أزمة تستدعي صفقة سلاح جديدة، وكل تهديد يقابله انتشار عسكري جديد، فيما تغيب عن المشهد رؤية إقليمية جامعة قادرة على بناء منظومة أمن ومصالح مشتركة تحمي دول المنطقة من التحول إلى ساحات مفتوحة للصراعات الدولية.

لقد استطاعت دول إقليمية، مثل تركيا وإيران، بناء مشاريع استراتيجية طويلة الأمد تعزز نفوذها ومصالحها وتمنحهما قدرة أكبر على التعامل مع التحولات المحيطة. أما المنطقة العربية، رغم امتلاكها الثروات النفطية والموقع الجغرافي الاستثنائي والموارد البشرية، فما زالت بحاجة إلى مشروع استراتيجي جامع يضع أمنها ومصالحها الاقتصادية والسياسية في مقدمة أولوياتها.

المطلوب ليس الدخول في سباق تسلح لا ينتهي، ولا البحث عن قوة إقليمية جديدة تفرض إرادتها على الآخرين، بل بناء مشروع إقليمي متوازن يقوم على حماية الممرات البحرية، وتنويع مصادر القوة الاقتصادية، وتطوير القدرات الدفاعية، وتقليل الاعتماد المفرط على القوى الخارجية، وخلق آليات حقيقية للحوار وحل النزاعات.

فالخطر لا يكمن في الحوثيين وحدهم، ولا في أي طرف إقليمي منفرد، وإنما في استمرار المنطقة كمساحة مفتوحة لتقاطع المشاريع الدولية والإقليمية.

إن كانت دول المنطقة لا تريد أن تدفع ثمن صراعات الآخرين، فعليها أن تمتلك مشروعها الخاص قبل أن تجد نفسها مرة أخرى أمام فخ جديد، تدفع كلفته شعوبها واقتصاداتها وأمنها.

Leave a Comment