تقرير خاص / راديو موصل تايم

في مشهد يحمل أبعاداً أمنية وسياسية وإنسانية، رُفع العلم العراقي، اليوم الاثنين، على جبل سنجار، بالتزامن مع بدء مراسم فك الارتباط العسكري لوحدات حماية سنجار، المعروفة باسم «اليبشة»، وتسليم مواقع مهمة إلى القوات الأمنية العراقية، ضمن عملية دمج الوحدات في المؤسسات الرسمية ونقل المسؤولية الأمنية عن الجبل إلى السلطات الاتحادية.

وأعلنت خلية الإعلام الأمني بدء الإجراءات، فيما أكد صباح النعمان، الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة، أن الخطوة تجري بإشراف ومتابعة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي، وتأتي ضمن برنامج حكومي يهدف إلى حصر السلاح بيد الدولة وتوحيد المسؤولية الأمنية في قضاء سنجار.

غير أن أهمية الحدث لا تقتصر على رفع العلم فوق جبل استراتيجي في غرب محافظة نينوى؛ فسنجار تحمل ذاكرة واحدة من أكثر المآسي قسوة في تاريخ العراق الحديث، كما تمثل واحدة من أعقد الملفات الأمنية والسياسية التي بقيت مفتوحة حتى بعد هزيمة تنظيم داعش.

سنجار قبل داعش.. صراع على النفوذ والهوية

تقع سنجار غرب الموصل، وتضم غالبية إيزيدية، إلى جانب مكونات أخرى، وتكتسب أهميتها من موقعها الجغرافي القريب من الحدود السورية، فضلاً عن رمزيتها الدينية والإنسانية. وقبل عام 2014، كانت المنطقة جزءاً من الأراضي المتنازع عليها بين الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة إقليم كردستان في أربيل، وكانت قوات البيشمركة التابعة للإقليم تتمتع بنفوذ أمني واسع فيها منذ عام 2003.

لكن التحول الأخطر وقع في الثالث من آب 2014، عندما اجتاح تنظيم داعش سنجار، مستهدفاً الإيزيديين بحملة قتل جماعي وخطف واستعباد وتهجير، وهي جرائم اعترف بها دولياً بوصفها إبادة جماعية.

ومع انسحاب البيشمركة من مواقعها أمام هجوم التنظيم، وجد آلاف المدنيين أنفسهم محاصرين في جبل سنجار، الذي تحول إلى ملاذ للناجين من المجازر، فيما فرّ عشرات الآلاف من السكان إلى مناطق أخرى داخل العراق وخارجه.

وفي تلك المرحلة، برز دور مقاتلين إيزيديين وقوات مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ساهموا في فتح ممرات لإنقاذ المحاصرين ومواجهة داعش، لتظهر لاحقاً وحدات مقاومة سنجار، المعروفة اختصاراً بـ«اليبشة» أو YBŞ، بوصفها أحد التشكيلات المسلحة المحلية التي نشأت في سياق الحرب على التنظيم.

بعد التحرير.. انتهى داعش ولم تنتهِ أزمة سنجار

استعادت القوات المناهضة لداعش مناطق سنجار على مراحل، بمشاركة قوى محلية وكردية وإيزيدية، وبدعم جوي من التحالف الدولي، قبل أن تعود القوات الاتحادية والحشد الشعبي إلى المنطقة خلال عمليات عام 2017.

لكن تحرير الأرض لم يكن كافياً لإنهاء الصراع على إدارتها. فقد أصبحت سنجار ساحة تتداخل فيها مصالح بغداد وأربيل، ونفوذ حزب العمال الكردستاني والقوى المرتبطة به، وتشكيلات الحشد الشعبي، إلى جانب تأثيرات إقليمية، خصوصاً تركيا التي استهدفت مواقع مرتبطة بحزب العمال ومجموعات قريبة منه داخل المنطقة.

وفي هذا المشهد، احتفظت وحدات حماية سنجار بوجود مسلح ونفوذ محلي، خصوصاً في جبل سنجار ومحيطه، فيما سعت الحكومة الاتحادية إلى تعزيز سلطتها وإعادة تنظيم الملف الأمني.

وفي تشرين الأول 2020، وقّعت بغداد وأربيل اتفاق سنجار برعاية أممية، بهدف إعادة تنظيم الإدارة والأمن، وتعزيز وجود الشرطة المحلية، وإخراج التشكيلات المسلحة التي لا تعمل ضمن الأطر الرسمية. إلا أن تنفيذ الاتفاق تعثر بسبب الخلافات السياسية والأمنية وعدم التوصل إلى ترتيبات تحظى بقبول جميع الأطراف المحلية.

ولم تكن الأزمة أمنية فقط؛ إذ واجهت سنجار دماراً واسعاً في المنازل والبنية التحتية، وتعثر إعادة الإعمار، وضعف الخدمات، واستمرار نزوح أعداد كبيرة من سكانها. كما شهدت المنطقة توترات ومواجهات بين وحدات حماية سنجار والقوات الاتحادية، من بينها أحداث سبقت اتفاقاً أمنياً في آذار 2025.

26 تشرين الأول 2026.. العلم العراقي فوق الجبل

اليوم، يأتي رفع العلم العراقي على جبل سنجار بالتزامن مع بدء مراسم فك الارتباط العسكري لوحدات حماية سنجار ودمجها في المؤسسات الرسمية، وتسلم القوات العراقية مواقع مهمة في القضاء، ونقل المسؤولية الأمنية عن الجبل إلى السلطات الاتحادية.

وتقول الحكومة إن هذه الخطوة تندرج ضمن مساعي حصر السلاح بيد الدولة وتوحيد القرار الأمني، مع التأكيد على تقدير تضحيات أبناء المكون الإيزيدي في مواجهة داعش، والالتزام بحماية حقوقهم وتعويض المتضررين وإعادة إعمار المنطقة.

وتشير تقارير اليوم إلى أن عملية الدمج ستتم على مراحل، مع اختلاف التقديرات المنشورة بشأن أعداد المقاتلين الذين سيجري استيعابهم؛ لذلك تبقى التفاصيل النهائية المتعلقة بالأعداد وآليات توزيع الأفراد بين المؤسسات الأمنية بحاجة إلى توضيح رسمي.

وتحمل هذه الخطوة أهمية تتجاوز مراسم تسليم المواقع، لأنها تمثل محاولة لإنهاء حالة تعدد التشكيلات المسلحة في منطقة ظلت سنوات طويلة رهينة التنافس الأمني والسياسي. غير أن نجاحها لن يقاس برفع العلم وحده، بل بمدى استقرار الأوضاع، وحماية المدنيين، وضمان حقوق المقاتلين المحليين الذين سيجري دمجهم أو تسريحهم وفق الإجراءات المعتمدة.

الاختبار الحقيقي.. عودة النازحين وإعمار المدينة

يبقى التحدي الأهم أمام الحكومة الاتحادية هو تحويل التغيير الأمني إلى نتائج ملموسة في حياة سكان سنجار، عبر إعادة إعمار المنازل المدمرة، واستعادة الخدمات الأساسية، وتهيئة الظروف الآمنة لعودة النازحين، ومعالجة ملفات المفقودين والمختطفين وتعويض الضحايا.

كما يتطلب استقرار المنطقة إشراك سكانها وممثلي المكون الإيزيدي في القرارات المتعلقة بمستقبلهم، وتجنب تحويل الملف الأمني إلى ساحة جديدة للصراع بين القوى السياسية والإقليمية.

فبعد اثني عشر عاماً على اجتياح داعش، لا تزال سنجار تحمل آثار المأساة، فيما ينتظر أبناؤها أن تتحول الوعود الرسمية إلى واقع يضمن الأمن والكرامة والاستقرار.

إن رفع العلم العراقي فوق جبل سنجار اليوم يمثل محطة جديدة في مسار استعادة سلطة الدولة، لكنه يضع أمام بغداد مسؤولية أكبر: ألا تكون نهاية تعدد القوى المسلحة مجرد تغيير في المواقع والشعارات، بل بداية مرحلة يعود فيها الإنسان السنجاري إلى بيته، وتستعيد فيها المدينة حياتها، ويشعر أهلها بأن الدولة حاضرة لحمايتهم وإنصافهم وإعادة بناء ما دمرته سنوات الحرب.

Leave a Comment