خاص / موصل تايم
شكلت وحدات حماية سنجار، المعروفة اختصاراً بـ”اليبشة” (YBŞ)، طوال عقد كامل إحدى أكثر الحركات المسلحة إثارة للجدل في المشهد الأمني العراقي؛ إذ ولدت هذه القوة العسكرية من رحم المأساة الإنسانية الكبرى التي ألمّت بالمكون الإيزيدي في آب/أغسطس من عام 2014، حين اجتاح تنظيم داعش الإرهابي قضاء سنجار ونفذ جرائم إبادة جماعية وسبي وتهجير واسعة بحق سكانه العزل. وأمام الانهيار الأمني الحاد حينها والحصار الذي فُرض على آلاف المدنيين في جبل سنجار، تطوع مئات الشبان والشابات الإيزيديين لحمل السلاح وتشكيل قوة محلية تتولى مهمة الدفاع عن النفس وتأمين ممرات آمنة للعائلات المحاصرة نحو الأراضي السورية وجبال نينوى.
غير أن مسار “اليبشة” ارتبط منذ لحظة انطلاقته بإشكاليات عسكرية وسياسية بالغة التعقيد، بعدما تلقت تدريباً ودعماً لوجستياً مباشراً من مقاتلي حزب العمال الكردستاني (PKK) ووحدات حماية الشعب الكردية في سوريا (YPG). هذا الارتباط العقائدي والميداني نقل سنجار من كونه ساحة لمعركة التحرير ضد الإرهاب، إلى بؤرة اشتباك إقليمي وتجاذبات حادة، حيث اتخذت تركيا من وجود مقار اليبشة ونشاطها ذريعة لشن عشرات الضربات الجوية والعمليات العسكرية داخل القضاء، ما عمّق حالة عدم الاستقرار وعرقل جهود تطبيع الأوضاع وتنفيذ اتفاقية سنجار المبرمة عام 2020 بين بغداد وأربيل لإنهاء الوجود المسلح غير النظامي.
ومع تصاعد المطالب بفرض هيبة الدولة وإنهاء المظاهر المسلحة، شهدت قمة جبل سنجار حدثاً مفصلياً أعلن خلاله رسمياً تسليم ملف اندماج وحدات حماية سنجار وفك ارتباطها العسكري بالكامل لتنضوي تحت مظلة الأجهزة الأمنية والعسكرية الاتحادية، برعاية القائد العام للقوات المسلحة ورئيس مجلس الوزراء.
وفي كلمته التي ألقاها ممثلاً عن رئيس الوزراء، أكد الفريق الركن سعد حربية أن هذا الاندماج يمثل التزاماً جوهرياً ببنود المنهاج الوزاري للحكومة الاتحادية، ومكسباً وطنياً يؤسس لمرحلة جديدة من المسؤولية الأمنية المستدامة في قضاء سنجار. وأوضح حربية أن بغداد تقدر عالياً التضحيات التي بذلها أبناء المكون الإيزيدي دفاعاً عن أرضهم في مواجهة التطرف، لافتاً إلى أن حمل السلاح كان ضرورة فرضتها ظروف الدفاع الوجودي، في حين يفرض منطق الدولة اليوم أن ينحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية ووفق السياقات الدستورية التي تحظر أي عمل عسكري خارج إطار القانون. وأشار ممثل رئيس الوزراء إلى أن الاحتكام للسلطات الاتحادية هو الركيزة الأساسية لسيادة الدولة، مشدداً على تعهد الحكومة بتعويض المتضررين وذوي الشهداء والانطلاق الفعلي نحو استكمال الاستقرار والإعمار.
وبينما كانت اليبشة تتمركز على مدار سنوات في التلال والمناطق الحيوية كقوة أمنية أمر واقع، فرض هذا الانتشار تحديات جسيمة على عمل المؤسسات الحكومية، وعطّل مشاريع البنية التحتية، وجعل عودة النازحين من مخيمات إقليم كردستان محفوفة بالمخاطر والتوجس نتيجة استمرار خطر الضربات الجوية وانعدام الإدارة الأمنية الموحدة.
من جانبه، شدد محافظ نينوى، عبد القادر الدخيل، على أن تكريس سلطة القانون وحصر السلاح بيد الدولة ليسا تدبيراً إجرائياً فقط، بل هما اللبنة الأساسية لبناء دولة ضامنة لحقوق مواطنيها على أساس المواطنة الكاملة ودون تمييز ديني أو قومي. ونوه الدخيل بأن الاستقرار الأمني لا يكتمل إلا بنهضة عمرانية شاملة، معلناً عن إعداد إدارة المحافظة خطة متكاملة لإعادة إعمار سنجار وتأهيل البنى التحتية والمرافق الخدمية. وذكر أن المرحلة الراهنة تتطلب تهيئة الظروف الكريمة والآمنة لعودة جميع العائلات الإيزيدية النازحة إلى مدنها وقراها، إلى جانب معالجة مخلفات الحروب وتعزيز التعايش السلمي وبناء الثقة المجتمعية.
وكانت وحدات حماية سنجار قد خاضت طوال العقد المنصرم معارك شرسة ضد تنظيم داعش، قدمت خلالها مئات الضحايا والجرحى، وتوسعت لتضم تشكيلات قتالية بينها “وحدات نساء إيزيدخان” (YJŞ)، واكتسب مقاتلوها تجربة ميدانية متقدمة في حرب العصابات والمناطق الجبلية، وهو ما منحها نفوذاً كبيراً في المشهد الإيزيدي المحلي.
ومن على منصة الحفل في جبل سنجار، ألقى ممثل “اليبشة” حجي تيرش، وهو يرتدي زياً عسكرياً مرقطاً، بياناً حاسماً أعلن فيه رسمياً فك الارتباط العسكري لجميع وحدات حماية سنجار واستكمال انخراط مقاتليها ضمن التشكيلات الأمنية للدولة العراقية. وافتتح تيرش حديثه باستذكار شهداء الإبادة الجماعية الإيزيدية وشهداء العراق الذين ضحوا بحياتهم خلال التصدي لإرهاب داعش، مستحضراً أسماء قيادات بارزة سقطت في المعارك. وأكد أن قرار إنهاء الطابع العسكري المستقل والانصهار في الأجهزة الرسمية يأتي صوناً لدماء الشهداء وتكريساً لكرامة أبناء سنجار وسيادة العراق، واضعاً عناصر القوة تحت قيادة وأوامر الدولة الاتحادية.
وتختزل مسيرة “اليبشة” منذ تأسيسها عام 2014 تعقيدات الجغرافيا السياسية في شمال العراق؛ فبينما رأى فيها جزء من المجتمع الإيزيدي درعاً حمى الجبل ومنع تكرار الإبادات، نظر إليها الفاعلون الإقليميون وأطراف داخلية كذراع عسكرية ممتدة خارج الحدود خلقت عزلة أمنية لسنجار. ويعد طي ملفها العسكري اليوم عبر التسليم والاندماج الرسمي نقطة تحول استراتيجية لإنهاء الذرائع الخارجية، ونزع الطابع الفصائلي عن القضاء، وإعادة ضبط بوصلة الأمن تحت سيطرة المؤسسات الدستورية العراقية وحدها.
