الموصل – راديو موصل تايم

دخل ملف حصر السلاح بيد الدولة العراقية مرحلة جديدة، مع إعلان المبعوث الأميركي الخاص إلى العراق وسوريا توم باراك وجود اتفاق يقضي بإنهاء ملف السلاح خارج مؤسسات الدولة بحلول نهاية حزيران/يونيو 2027، في خطوة تضع واحداً من أكثر الملفات السياسية والأمنية تعقيداً في العراق أمام جدول زمني واضح، بعد أشهر من الجدل بشأن آليات التنفيذ ومواقف الفصائل المسلحة.

وقال باراك، وفق التصريحات المتداولة اليوم، إن الاتفاق يقضي بأن تكون المؤسسات الرسمية العراقية الجهة الوحيدة التي تمتلك القوة العسكرية في البلاد، على أن يستكمل ملف حصر السلاح بالكامل بحلول نهاية حزيران 2027.

ويتقاطع هذا الإعلان مع ما كشفه رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي بشأن خطة حكومية تبدأ بمرحلة مدتها 90 يوماً، تلتزم خلالها الفصائل المسلحة بوقف الهجمات، قبل الانتقال إلى مراحل تسليم وتنظيم السلاح وصولاً إلى الموعد النهائي المحدد في 30 حزيران 2027. وأكدت تقارير حديثة أن الحكومة العراقية وضعت بالفعل إطاراً زمنياً يمتد إلى منتصف العام المقبل لإنجاز الملف. (الجزيرة نت)

من 30 أيلول إلى 30 حزيران.. مساران لملف واحد

ويأتي الإعلان الجديد في وقت يقترب فيه العراق من محطة 30 أيلول/سبتمبر 2026، وهو الموعد المرتبط باكتمال انسحاب القوات الأميركية من العراق، بالتزامن مع تصاعد النقاش حول مستقبل الفصائل المسلحة وسلاحها بعد انتهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي.

وبحسب ما نقلته مصادر إعلامية، فإن الخطة المطروحة تبدأ بفترة تهدئة مدتها 90 يوماً، تتوقف خلالها الهجمات، على أن تبدأ بعدها عملية التعامل مع الأسلحة وصولاً إلى إكمال العملية في 30 حزيران 2027. (Al-Monitor)

وهنا يبرز اختلاف مهم في تطور الموقف الرسمي خلال الأسابيع الماضية؛ ففي 18 أيلول، كان مستشار رئيس الوزراء للشؤون الأمنية قاسم الأعرجي قد نفى تحديد سقف زمني لأعمال لجنة حصر السلاح، بينما أصبح الحديث بعد ذلك بأيام عن إطار زمني حكومي يمتد حتى منتصف 2027. ويعكس ذلك انتقال الملف من مرحلة الحديث عن المبادئ العامة إلى البحث في الجدول التنفيذي وآليات التطبيق.

موصل تايم تابعت الملف منذ بداياته

وكان راديو موصل تايم قد تابع تطورات ملف حصر السلاح خلال الأسابيع الماضية، ونقل في 15 آب تصريحات رئيس خلية الإعلام الأمني الفريق سعد معن، الذي أكد أن الحكومة تعمل على توحيد القرار الأمني وجعل القوة العسكرية تحت مظلة الدولة.

وأشار معن حينها إلى أن قرار السلم والحرب يجب أن يكون بيد الدولة، معتبراً أن تعدد القرارات الأمنية أو وجود قوى موازية للقوات الرسمية يمثل تحدياً أمام توحيد القرار الأمني. كما تحدث عن مسار حكومي وقانوني لتنظيم الملف، وعن مشروع قانون لحصر السلاح بيد الدولة كان يسير عبر القنوات التشريعية والإدارية. (MosulTime)

وفي التصريحات نفسها، كشف معن عن تسجيل نحو 6000 قطعة سلاح أسبوعياً ضمن عمل اللجنة الوطنية الدائمة لتنظيم الأسلحة في وزارة الداخلية، إضافة إلى وصول عدد مكاتب التسجيل إلى 848 مكتباً، وتسجيل نحو 580 ألف قطعة سلاح تعود للمواطنين والعشائر، بحسب ما نشره راديو موصل تايم آنذاك. (MosulTime)

لكن العقدة الأساسية: ماذا يعني “حصر السلاح”؟

الجدل الحالي لا يتعلق فقط بجمع الأسلحة، وإنما بتعريف المرحلة المقبلة وطبيعة العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة.

ففي 21 أيلول، نشر راديو موصل تايم تصريحات مدير الإعلام الحربي في هيئة الحشد الشعبي مهند العقابي، الذي قال إن أسلحة الفصائل المسلحة لن تُسلّم إلى الحكومة العراقية، وإنما سيجري، بحسب طرحه، إعادة تنظيمها تحت إشراف الحكومة الاتحادية.

العقابي أكد في الوقت نفسه دعم تنظيم السلاح تحت مظلة الدولة ورفض تحويل العراق إلى ساحة للصراعات الإقليمية والدولية، لكنه ميّز بين تسليم السلاح بالكامل وبين إعادة تنظيمه وإدارته تحت إشراف الدولة. (MosulTime)

وهذا التباين في توصيف الهدف يكشف أن أصعب مراحل الملف قد لا تكون في الإعلان عن المبدأ، وإنما في تحديد آلية تطبيقه على الأرض: هل تعني العملية تسليم الأسلحة للدولة؟ أم إعادة هيكلة الفصائل ضمن المؤسسات الرسمية؟ أم إخضاعها الكامل للقيادة والسيطرة الحكومية مع الاحتفاظ بالتشكيلات الحالية؟

واشنطن تربط الملف بصورة العراق المستقبلية

الملف لم يعد أمنياً داخلياً فقط، بل بات مرتبطاً بصورة العراق السياسية والاقتصادية وعلاقاته الدولية.

وفي تقرير نشره راديو موصل تايم نقلاً عن واشنطن تايمز، جرى تسليط الضوء على أن نجاح بغداد في حصر السلاح بيد الدولة يمكن أن يدعم تحول العراق إلى مركز إقليمي للطاقة والاقتصاد، خصوصاً مع خطط واستثمارات دولية كبيرة في النفط والغاز والكهرباء والبنية التحتية.

وأشار التقرير إلى أن وجود مراكز قوة مسلحة لا تخضع بصورة كاملة لسلطة الدولة يمثل تحدياً أمام الاستثمارات الكبرى والاستقرار الاقتصادي، وأن المسألة لا تتعلق بجمع السلاح فقط، وإنما أيضاً بسلاسل القيادة وقرارات الحرب والسلم والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالقوى المسلحة. (MosulTime)

وكانت واشنطن قد أعلنت في حزيران أن مباحثات باراك مع رئيس الوزراء العراقي تناولت خطط نزع سلاح الجماعات المسلحة خارج سيطرة الدولة، وتوحيد الأسلحة تحت سلطة الحكومة، وتعزيز سيادة العراق ومنع استخدام أراضيه في الصراعات الإقليمية. (Anadolu Ajansı)

الفصائل.. الموقف الأكثر تعقيداً

ويبقى موقف الفصائل المسلحة العامل الأكثر حساسية في تنفيذ أي اتفاق.

ففي الوقت الذي أعلنت فيه بعض الفصائل استعدادها لتسليم أسلحتها أو إعادة تنظيمها ضمن مؤسسات الدولة، ترفض فصائل أخرى، وفق تقارير حديثة، التخلي عن سلاحها بالشكل المطروح حالياً.

وأفادت تقارير بأن فصائل مثل كتائب حزب الله وحركة حزب الله النجباء أبدت مواقف رافضة للتخلي عن السلاح في ظل استمرار وجود القوات الأميركية، في حين أبدت جهات أخرى استعداداً للتعامل مع المطالب الحكومية بدرجات مختلفة. (AP News)

ومن هنا فإن نجاح الجدول الزمني حتى حزيران 2027 سيعتمد بدرجة كبيرة على قدرة بغداد على تحويل الاتفاق السياسي إلى ترتيبات قانونية وأمنية قابلة للتنفيذ، من دون الدخول في مواجهة مسلحة واسعة.

ماذا يعني ذلك بعد 30 أيلول؟

مع اقتراب 30 أيلول، يبدو أن العراق يدخل مرحلة مختلفة من إدارة ملف السلاح.

فالمرحلة المقبلة ستختبر قدرة الحكومة على الحفاظ على التهدئة، وتوحيد القرار الأمني، وإدارة الحوار مع القوى المسلحة، وفي الوقت ذاته تطبيق القوانين والدستور من خلال مؤسسات الدولة.

وكان الكاتب والمحلل السياسي الموصلي علي أغوان قد حذر، في قراءة نشرها راديو موصل تايم، من أن ما بعد 30 أيلول قد يضع القوى السياسية أمام اختبار سياسي وأمني معقد، خصوصاً في حال استمرار عدم الحسم بشأن مستقبل السلاح خارج مؤسسات الدولة. وأشار إلى أن معالجة الملف تحتاج إلى تفاعل سياسي وقضائي وأمني وعسكري، وأن أي تحرك خارج القرار الرسمي سيختبر قدرة الدولة على فرض القانون. (MosulTime)

الاختبار الحقيقي يبدأ من التنفيذ

وبذلك، فإن الإعلان عن نهاية حزيران 2027 لا يعني أن ملف السلاح قد حُسم فعلياً، وإنما يمثل موعداً سياسياً وتنفيذياً معلناً لعملية لا تزال تواجه اختلافات بشأن تفاصيلها.

فالاختبار الأكبر سيكون في قدرة الدولة على تحويل عبارة “حصر السلاح بيد الدولة” إلى واقع مؤسسي واضح، تكون فيه قيادة القوات وقرار الحرب والسلم وحيازة السلاح واستخدام القوة خاضعة لسلسلة قيادة رسمية واحدة.

وبينما ترى بغداد وواشنطن أن توحيد القرار الأمني يمثل خطوة مرتبطة بسيادة الدولة واستقرارها، تؤكد بعض الجهات المسلحة أن المطلوب هو إعادة تنظيم السلاح وليس تسليمه بالكامل.

وبين الموقفين، يواجه العراق أمامه نحو تسعة أشهر من المفاوضات والترتيبات السياسية والأمنية، قبل الوصول إلى الموعد المعلن في 30 حزيران 2027.

إنهاء الملف، إذا ما نُفذ وفق الجدول المعلن، لن يكون مجرد عملية لتسليم أسلحة، بل إعادة ترتيب واسعة لعلاقة الدولة بالقوة المسلحة، ولشكل القرار الأمني والسياسي في العراق خلال المرحلة المقبلة.

راديو موصل تايم – تقرير خاص

Leave a Comment