الموصل – موصل تايم

أثارت منصة «عقاري» الخاصة بتنظيم وتوثيق معاملات بيع وشراء العقارات جدلاً واسعاً في بغداد، بعدما دخلت حيز التطبيق وأصبحت الإجراءات الإلكترونية جزءاً أساسياً من مسار المعاملة العقارية، وسط اعتراضات من مواطنين وأصحاب مكاتب عقارية ودلالين، تركزت بصورة خاصة على الرسوم وآلية احتساب قيمة العقار والإجراءات الجديدة المرتبطة بإتمام الصفقة.

وفي الوقت الذي لم يبدأ فيه تطبيق المنصة في الموصل وفق المعطيات المحلية المتداولة، بدأت المخاوف تظهر مبكراً في السوق العقارية بالمدينة، مع حديث أصحاب مكاتب ومواطنين عن احتمال تراجع حركة البيع والشراء إذا انتقلت التجربة البغدادية إلى نينوى بالآليات والتكاليف نفسها.

ما هي منصة «عقاري»؟

المنصة تهدف إلى تحويل جزء كبير من إجراءات التعاملات العقارية من المسار الورقي التقليدي إلى المسار الإلكتروني، بما يشمل إدخال بيانات أطراف العقد والعقار، وتنظيم العقد إلكترونياً، وربط الإجراءات بالجهات المختصة.

وبحسب بوابة الخدمات الحكومية العراقية، توجد بالفعل خدمات إلكترونية تابعة لدائرة التسجيل العقاري تتيح تقديم طلبات تتعلق بالعقارات وإرفاق الوثائق إلكترونياً، وإرسال إشعارات للمواطن بشأن مراحل المعاملة، مع إمكانية متابعة الطلب إلكترونياً. وتوضح البوابة أن بعض هذه الخدمات متاحة حالياً في بغداد على أن يجري التوسع إلى مديريات أخرى لاحقاً. 

وتوضح الوثيقة الرسمية الصادرة عن دائرة التسجيل العقاري التي حصل عليها موصل تايم أن الإجراءات الإلكترونية تتضمن تدقيق بيانات البائع والمشتري، ومطابقة بيانات العقار، وإدخال المعلومات والوثائق، وتنظيم العقد، فضلاً عن حفظ نسخة من ملخص العقد وتصديقه من الموظف المختص.

كما تتضمن الإجراءات حالات تصحيح البيانات، ومراجعة الأطراف للعقد، واستكمال إجراءات إبطال العقد عند الحاجة وفق الضوابط المحددة.

ماذا تقول الجهات المؤيدة لفكرة التحول الإلكتروني؟

من الناحية الإدارية، يمكن للرقمنة أن تحقق عدداً من الأهداف، أبرزها:

  • تقليل الاعتماد على المعاملات الورقية.
  • توثيق بيانات العقار وأطراف الصفقة إلكترونياً.
  • تقليل احتمالات التلاعب في البيانات.
  • توفير سجل إلكتروني للمعاملة.
  • تسهيل متابعة مراحل إنجاز الطلب.
  • ربط إجراءات الوسطاء والجهات الحكومية ضمن مسار إلكتروني.
  • زيادة وضوح القيمة المثبتة في العقد مقارنة بالإجراءات التقليدية.
  • الحد من بعض حلقات المراجعة والإجراءات اليدوية.

وهذه الأهداف تتوافق مع توجه الحكومة العراقية نحو التحول الرقمي في الخدمات العامة.

لكن المشكلة التي أثارت الجدل لا تتعلق بمبدأ الرقمنة وحده، وإنما بالطريقة التي انعكس بها التطبيق على الكلفة النهائية للصفقة وإجراءاتها.

لماذا غضب أصحاب العقارات والمكاتب في بغداد؟

منذ بدء التطبيق في بغداد، ظهرت احتجاجات من أصحاب مكاتب العقارات والدلالين، خصوصاً في مناطق من جانبي الكرخ والرصافة.

ونقلت شبكة 964 عن أصحاب مكاتب عقارية ومحتجين قولهم إن ارتفاع الرسوم وتغير طريقة احتساب بعض الاستحقاقات المالية أدى إلى تراجع عمليات البيع والشراء، فيما تحدثت تقارير عن احتجاجات أمام دوائر التسجيل العقاري في مدينة الصدر والمنصور وغيرها من المناطق. 

كما نقلت شفق نيوز عن متعاملين في السوق اعتراضهم على ارتفاع الكلفة المرتبطة بالمعاملات، مؤكدين أن اعتراضهم، بحسب تصريحاتهم، لا ينصب بالضرورة على التحول الإلكتروني نفسه، وإنما على الكلف المالية المصاحبة له

وفي تقرير آخر، نقلت الصباح أن المنصة تحولت إلى قضية جدلية بعد بدء تطبيقها، مع طرح تساؤلات من مواطنين ومتخصصين حول الرسوم والجهة المشغلة وآلية إدارة المنصة. 

المشكلة الأساسية: قيمة العقار الحقيقية

أحد أكثر الملفات إثارة للجدل هو طريقة احتساب الرسوم والضرائب المرتبطة بالصفقة.

وبحسب أصحاب مكاتب تحدثوا إلى وسائل إعلام عراقية، فإن الاعتماد على القيمة الفعلية المثبتة في العقد الإلكتروني بدلاً من بعض أساليب التخمين السابقة أدى في حالات معينة إلى ارتفاع المبالغ المستوفاة.

وطرحت شبكة 964 مثالاً لعقار تبلغ قيمته مليار دينار، موضحة أن اختلاف أساس احتساب الرسوم والضريبة يمكن أن يرفع الكلفة الإجمالية بصورة كبيرة مقارنة بالآلية السابقة. وهذه الأرقام وردت في إطار أمثلة قدمها أصحاب مكاتب عقارية، وليست بياناً حكومياً عاماً يثبت أن كل المعاملات تخضع للكلفة نفسها. 

كما أشارت تقارير صحفية إلى حالات قال فيها أصحاب مكاتب إن بيع عقار بقيمة 500 مليون دينار أصبح يرتب مبالغ أكبر بكثير من السابق، الأمر الذي انعكس، بحسب شهاداتهم، على قرار المواطن بإتمام الصفقة. 

ماذا يقول المواطنون؟

على مواقع التواصل الاجتماعي، تركزت ردود الفعل المتداولة حول عدة نقاط:

أولاً: الخوف من ارتفاع كلفة شراء المنزل.

المواطن الذي يشتري منزلاً بقيمة مرتفعة لا ينظر إلى سعر العقار فقط، وإنما إلى مجموع الضرائب والرسوم وأجور الإجراءات، وبالتالي فإن أي زيادة كبيرة في الكلفة النهائية قد تؤثر في قدرته على إتمام الصفقة.

ثانياً: تخوف البائع من خسارة جزء أكبر من قيمة العقار.

بعض المتعاملين مع السوق في بغداد قالوا إن ارتفاع الكلفة قد يدفع البائع إلى رفع سعر العقار لتعويض المبالغ الإضافية، وهو ما قد يؤدي بدوره إلى اتساع الفجوة بين السعر الذي يطلبه البائع والقدرة الشرائية للمشتري.

ثالثاً: التردد في إتمام الصفقات.

تقارير صحفية رصدت حالات عزوف وتراجع في حركة البيع والشراء في بغداد بعد بدء تطبيق المنصة، مع احتجاجات من العاملين في القطاع العقاري. 

لكن من المهم مهنياً الإشارة إلى أن لا توجد في المصادر التي راجعناها بيانات إحصائية رسمية كافية تسمح بقياس نسبة الانخفاض في السوق العراقي ككل؛ لذلك فإن وصف السوق بأنه متوقف تماماً ينبغي أن ينسب إلى أصحاب المكاتب والمحتجين، وليس باعتباره رقماً رسمياً.

وهنا يأتي السؤال الموصلي: ماذا سيحدث إذا وصلت «عقاري» إلى نينوى؟

في الموصل، لم تبدأ المنصة بالتطبيق وفق المعطيات المحلية المتداولة، لكن النقاش بدأ قبل وصولها.

ويقول أصحاب مكاتب عقارية إن سوق الموصل يختلف في ظروفه عن بغداد، سواء من حيث القدرة الشرائية أو أسعار العقارات أو طبيعة التداول، وبالتالي فإن تطبيق نموذج مالي وإجرائي مشابه لما حدث في بغداد يحتاج إلى دراسة خصوصية السوق المحلي.

ويقول أبو حسن للعقارات في الموصل، في تصريح لـ «موصل تايم»:

«إذا طُبق هذا التطبيق بهذه الآلية، فلن يكون هناك بيع وشراء، وسيحدث ركود في السوق العقارية، لأن المواطن لا يستطيع تحمل التكاليف الإضافية، والبائع والمشتري سيترددون في إتمام الصفقة».

ويضيف أبو حسن أن أي نظام جديد، بحسب رأيه، ينبغي أن يراعي القدرة الشرائية للمواطنين وطبيعة السوق في الموصل، وأن لا تتحول عملية تنظيم العقار إلكترونياً إلى عامل يؤدي إلى تجميد حركة السوق.

بين التنظيم والركود.. أين تكمن المشكلة؟

المعادلة التي تواجه «عقاري» في نظر المتعاملين يمكن اختصارها في سؤال واحد:

هل يمكن تحقيق الرقمنة والشفافية من دون رفع كلفة الصفقة إلى مستوى يدفع المواطن إلى تأجيل البيع أو الشراء؟

فالتحول الإلكتروني بحد ذاته يمكن أن يوفر فوائد إدارية، لكن نجاحه في سوق العقارات لا يقاس فقط بقدرته على تحويل الورق إلى شاشة، وإنما أيضاً بمدى سهولة الاستخدام، ووضوح الرسوم، وحماية بيانات المواطنين، وسرعة إنجاز المعاملة، وتناسب الكلفة مع قيمة العقار، ووجود آلية واضحة للاعتراض وحل المشكلات.

ومن جهة أخرى، فإن الجهات المعنية قد ترى في تثبيت القيمة الحقيقية للعقار وتوثيقها إلكترونياً وسيلة للحد من التلاعب وتحسين دقة البيانات المالية للعقارات

الحكومة أمام اختبار الموصل

وتكتسب تجربة بغداد أهمية خاصة بالنسبة للموصل، لأن نينوى تستعد منذ سنوات لإعادة تنشيط قطاع العقارات والاستثمار بعد مراحل طويلة من الحرب والدمار، فيما لا تزال القدرة المالية لشرائح واسعة من السكان محدودة.

وبالتالي، فإن انتقال المنصة إلى الموصل يحتاج، بحسب ما يطرحه العاملون في السوق، إلى حوار مسبق مع المواطنين وأصحاب المكاتب العقارية والجهات القانونية والدوائر الحكومية، مع نشر جدول واضح ومفصل للرسوم والتكاليف قبل بدء التطبيق.

كما أن مجلس شؤون المنافسة ومنع الاحتكار أعلن في تموز 2026 فتح تحقيق أولي بشأن منصة «عقاري» للتحقق من مدى توافق إجراءاتها مع قانون المنافسة ومنع الاحتكار، مشيراً إلى مؤشرات تتعلق بإلزام المتعاملين بإتمام معاملات البيع والشراء عبر جهة محددة واستيفاء مبالغ أو عمولات، فضلاً عن الأعباء المالية والإجرائية. 

وهذا يعني أن الجدل حول المنصة لم يعد مقتصراً على المواطنين وأصحاب المكاتب، بل أصبح موضع بحث لدى جهة رقابية مختصة أيضاً.

الخلاصة

«موصل تايم» يرصد أن جوهر الاعتراض المتداول في بغداد لا يدور حول فكرة التكنولوجيا أو تنظيم السجل العقاري بحد ذاته، وإنما حول الكلفة وآلية التطبيق وتأثيرها المحتمل في حركة السوق.

وفي الموصل، حيث لم يبدأ التطبيق بعد، تتقدم المخاوف على التجربة الفعلية، فيما يطالب العاملون في السوق بأن تكون أي خطوة مستقبلية مدروسة بما يتناسب مع واقع المدينة.

وبينما يرى المؤيدون أن الرقمنة قد تساعد في تنظيم السوق وتوثيق المعاملات، يحذر أصحاب المكاتب من أن ارتفاع الكلفة والإجراءات قد يحولان المواطن من راغب في البيع أو الشراء إلى متردد ينتظر، الأمر الذي قد ينعكس على حركة السوق العقارية بأكملها.

ويبقى التحدي أمام الجهات المعنية هو إيجاد صيغة تحقق التوثيق والشفافية ومكافحة التلاعب، من دون أن تجعل كلفة المعاملة عائقاً أمام المواطن.

المصدر: راديو موصل تايم – متابعة خاصة

Leave a Comment