موصل تايم

كشف رئيس المركز الوطني للتعاون القضائي الدولي علي حسين جفات، اليوم الاحد، عن ابرز مهام وعمليات المركز، وفيما اشار الى ان المركز شارك في احباط تنفيذ مخطط ارهابي بالمانيا، أكد السعي لتوسيع شبكة الشراكات القضائية مع الدول والمؤسسات العالمية.

وقال القاضي جفات، في تصريح تابعته وكالة الانباء العراقية (واع)، ان “تأسيس المركز الوطني للتعاون القضائي الدولي جاء في إطار رؤية مجلس القضاء الأعلى لتطوير علاقات قضائية مباشرة مع الدول والجهات الدولية، لما يمتلكه القضاء العراقي من قدرة كبيرة وخبرات متراكمة في التعامل مع الجرائم التي تتجاوز آثارها وحدودها النطاق الوطني، وفي مقدمتها الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود”.

وأضاف أن “الحاجة تعززت إلى وجود مؤسسة قضائية وطنية متخصصة بعد انتهاء ولاية فريق التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من جانب داعش (يونيتاد)، لضمان استمرار العمل في جمع الأدلة المتعلقة بجرائم عصابات داعش الإرهابية وحفظها وأرشفتها وتوظيفها في الإجراءات القضائية”، مبينا ان “مجلس القضاء الأعلى أصدر الأمر القضائي في 21 تشرين الأول 2024 بتأسيس المركز، فيما افتتح رسمياً في 29 كانون الأول من العام نفسه، ليشكل إطاراً وطنياً دائماً للتعاون القضائي الدولي”.

واكد ان “رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي فائق زيدان أكد، خلال افتتاح المركز، أن المركز سيكون “بوابة التعاون القضائي مع دول العالم”، وأن التعاون الدولي أصبح ضرورة في مواجهة الإرهاب والتطرف والمخدرات والجريمة المنظمة وغيرها من الجرائم التي تهدد الأمن والاستقرار”.

نقطة اتصال قضائية

وتابع القاضي جفات إن “المركز الوطني للتعاون القضائي الدولي يمثل أحد تشكيلات مجلس القضاء الأعلى، ويعمل بوصفه الجهة المركزية المعنية بتنسيق التعاون القضائي في ملفات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والقضايا ذات البعد الدولي، ونقطة الاتصال الرئيسية بين القضاء العراقي والشركاء الدوليين”، موضحا أن “مهام المركز تشمل استقبال ومتابعة طلبات التعاون والمساعدة القانونية، وجمع الأدلة وحفظها وأرشفتها وتحليلها، وتبادل الأدلة والمعلومات وفق الأطر القانونية، وتقديم الدعم القضائي والفني، فضلاً عن بناء الشراكات الدولية وتطوير القدرات الوطنية في مجالات التحقيق والأدلة الرقمية والتوثيق”.

وذكر أن “ملف حقوق الإنسان يمثل أحد المسارات الأساسية في عمل المركز، ولا سيما في القضايا المرتبطة بضحايا والناجين من جرائم الإرهاب”، مبيناً أن “المركز يعمل على التواصل مع الناجين وتوثيق المعلومات المتعلقة بهم، والتنسيق مع المحاكم المختصة لتمكينهم من الإدلاء بشهاداتهم، مع مراعاة مبادئ السرية والخصوصية والسلامة والكرامة وعدم التسبب بضرر إضافي لهم”.

واشار الى ان “المركز المركز إعداد الدراسات والتقارير المتعلقة بجرائم الإرهاب والتطرف، وتطوير أدوات العمل التي تساعد الجهات القضائية المختصة على التعامل مع الملفات المعقدة ومتعددة الجنسيات”.

من المخاطبات إلى التعاون المباشر

وتابع القاضي جفات أن “المركز يعمل كحلقة وصل بين القضاء العراقي والجهات القضائية والقانونية في الدول الأخرى، إذ يقوم على تحويل التعاون الدولي من مجرد تبادل للمخاطبات إلى مسار قضائي منظم”، موضحا أن “المركز يتلقى طلبات المساعدة والتعاون من الجهات المختصة في الدول الأخرى، وفقاً للقانون والاتفاقيات والأطر المعتمدة، حيث اصبح هذا المسار أصبح أكثر تطوراً مع بناء قنوات اتصال مباشرة مع جهات قضائية دولية”.

ولفت إلى أن “هذا التعاون وصل إلى توقيع مذكرة عمل استراتيجية بين مجلس القضاء الأعلى، ممثلاً بالمركز الوطني، ووكالة الاتحاد الأوروبي للتعاون القضائي الجنائي “يوروجست” في لاهاي، في حزيران 2026، ليصبح العراق الدولة العاشرة من خارج الاتحاد الأوروبي التي تبرم مذكرة عمل مع الوكالة”.

ويقول إن هذه الخطوة تهدف إلى “تسريع وتطوير التعاون وتبادل المعلومات ودعم ملاحقة المطلوبين واستردادهم في القضايا ذات الطابع الدولي”.

الإرهاب والجريمة المنظمة

ويؤكد أن “مكافحة الإرهاب وتوثيق جرائم عصابات داعش تمثل أحد المحاور الأساسية في عمل المركز، إلا أن نطاق التعاون القضائي الذي يمارسه لا يقتصر على جرائم الإرهاب، فطبيعة الجريمة الحديثة أصبحت عابرة للحدود”.

ويضيف أن المركز يتعامل، بحسب الاختصاص، مع ملفات تتصل بالجريمة المنظمة الدولية، والاتجار بالمخدرات، وغسل الأموال وتمويل الإرهاب، والمطلوبين دولياً، والجرائم الدولية الخطيرة، إلى جانب طلبات المساعدة القانونية وتبادل الأدلة والمعلومات.

ويلفت إلى أن المركز “عمل على إنشاء وتطوير نظام أرشفة شامل وآمن وقابل للبحث، يتيح حفظ الأدلة الرقمية والوثائق المادية، ومنها أدلة أرض المعركة، والمعلومات المتعلقة بالجرائم الإرهابية واسترجاعها وربطها بالتحقيقات عند الحاجة، بما يحافظ على قيمتها القانونية ويدعم استخدامها أمام الجهات القضائية المختصة”.

وأكد أن “المركز يولي اهتماماً خاصاً بالشهود والناجين من جرائم الإرهاب، وقد أعد لهذا الغرض “الدليل الإرشادي للتعامل مع الناجين من الإرهاب”، ليكون إطاراً منظماً للتعامل معهم أثناء عمليات التواصل والتوثيق، وبما يحفظ كرامتهم وخصوصيتهم وسلامة معلوماتهم وهويتهم، ويضمن مراعاة حقوقهم عند توثيق شهاداتهم واستخدامها في الإجراءات القضائية.

الوصول إلى ناجيات أيزيديات

ومن التطبيقات العملية لهذا العمل، يقول جفات، إن “المركز تمكن، عبر تدقيق البيانات المؤرشفة ومطابقة المعلومات المتوافرة في قاعدة البيانات الوطنية، من الوصول إلى عدد كبير من الناجيات من المكون الأيزيدي وربط بياناتهن بالقضايا والمعلومات ذات الصلة”.

وذكر ان “من بين هذه الحالات، تم التوصل إلى ناجية مرتبطة بقضية منظورة أمام المحكمة الأساسية في بريشتينا في كوسوفو، حيث جرى، بالتنسيق مع محكمة تحقيق الكرخ الأولى وبحضور القاضي المختص، الاستماع إلى شهادتها قضائياً عبر تقنية الفيديو كونفرنس، لتصبح شهادتها جزءاً من مسار التعاون القضائي الدولي المرتبط بالقضية”.

5704 متهمين من 67 دولة

وعن أبرز إنجازات المركز خلال الفترة القصيرة منذ تأسيسه، يقول جفات إن “هذه الإنجازات يمكن قياسها على مستويين: بناء القدرة المؤسسية داخلياً، وتحقيق نتائج قضائية ملموسة دولياً”.

وأكد أنه “على المستوى المؤسسي، شكل استلام العراق 5704 متهمين من المنتمين إلى عصابات داعش الإرهابية من سجون سوريا، يمثلون 67 دولة، تحدياً كبيراً للمنظومة القضائية وآليات إدارة البيانات والتنسيق الدولي”، لافتا الى ان “محكمة تحقيق الكرخ الأولى المختصة بقضايا الإرهاب باشرت إجراءات الاستجواب بحقهم فور وصولهم، لاتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم”.

وبين ان “هذا الملف أظهر الدور المميز والقيمة الأساسية التي أضافها المركز من خلال تجميع مسارات كانت تتطلب سابقاً تنسيقاً بين جهات متعددة ضمن نقطة اتصال قضائية مركزية متخصصة”.

ويظهر ذلك، بحسب جفات، بصورة خاصة في ملف الأدلة المتعلقة بجرائم داعش بعد انتهاء ولاية “يونيتاد”، إذ أصبحت هناك جهة قضائية عراقية دائمة ومسؤولة عن استكمال عملية جمع الأدلة وحفظها وأرشفتها وتحديثها والتعاون بشأنها مع الدول، بدلاً من ارتباط هذا العمل ببعثة دولية محددة المدة.

وبين أن “هذا الملف يمثل نموذجاً مختلفاً من حيث الحجم والتعقيد، لارتباطه بآلاف المتهمين وعشرات الجنسيات، وهو ما أسهم في تطوير آليات إدارة المعلومات والأرشفة والتحليل والتنسيق مع الجهات القضائية والدبلوماسية الأجنبية”.

أما على المستوى الدولي، أكد جفات إنه “تم الانتقال خلال مدة وجيزة من مرحلة بناء العلاقات إلى مرحلة تحقيق نتائج فعلية من خلال التعاون وتبادل الأدلة والمعلومات، سواء في منع جرائم إرهابية، أو دعم تحقيقات خارج العراق، أو ملاحقة مطلوبين وشبكات الجريمة المنظمة، فضلاً عن الانتقال إلى مستوى مؤسسي متقدم من الشراكة مع يوروجست”.

تعاون قضائي

وذكر القاضي جفات أن “المركز الوطني للتعاون القضائي الدولي يمتلك مسارات تعاون متعددة مع عدد من الدول والجهات القضائية الدولية، ولا يقتصر التعاون مع كل دولة على قضية واحدة، بل يشمل عدداً من الملفات وطلبات المساعدة وتبادل المعلومات والأدلة وفقاً لطبيعة كل قضية والأطر القانونية المعتمدة”.

ويشير إلى عدد من أبرز الأمثلة التي أعلن عنها رسمياً، بينها إسبانيا، حيث شمل التعاون القضائي عدداً من الملفات، ومن أبرز نتائجه تزويد السلطات الإسبانية بمعلومات وأدلة أسهمت في توقيف شخصين مشتبه بارتباطهما بأنشطة إرهابية، خلال عمليتين نفذتهما الشرطة الوطنية الإسبانية في مدينتي كارتاخينا وفيرول”.

وفي ألمانيا، يجري التعاون في أكثر من ملف وقضية ذات صلة بمكافحة الإرهاب، ومن أبرز النتائج، بحسب جفات، إسهام تبادل معلومات وأدلة ذات أهمية عالية بين الجانبين في إحباط مخطط إرهابي في مدينة هامبورغ كان في مراحل تحضيرية متقدمة ويستهدف تنفيذ اعتداء ضد تجمعات مدنية، إذ دعمت المعلومات إجراءات الرصد والتحقيق ومكنت الجانب الألماني من اتخاذ التدابير اللازمة لمنع الهجوم قبل تنفيذه.

وفي السويد، يمتد التعاون إلى عدد من الملفات المرتبطة بالجريمة المنظمة العابرة للحدود، ومن أبرزها التعاون بين المركز والادعاء العام السويدي، الذي أسفر، بالتنسيق مع قوات إنفاذ القانون المختصة وبعد استحصال الموافقات القضائية، عن القبض على عدد من أبرز عناصر شبكات الجريمة المنظمة ذات التأثير المباشر في السويد، وانتهت القضية بصدور حكم بالسجن المؤبد.

وفي أستراليا، يشمل التعاون القضائي عدداً من القضايا والملفات، ومن أبرز الأمثلة قضية المدان كاظم مالك حمد ربح الحجامي، إذ أدى طلب التعاون الرسمي إلى اتخاذ الإجراءات القضائية بحقه في العراق عن جرائم مرتبطة بالمخدرات والجريمة المنظمة، وانتهت القضية بصدور حكم بالسجن المؤبد بحقه ومصادرة أمواله المنقولة وغير المنقولة.

أما في الولايات المتحدة الأمريكية، فيشير جفات إلى أن التعاون القضائي الدولي أسهم في التوصل إلى أحد المتورطين بالتحريض على الهجوم الإرهابي الذي وقع في مدينة نيو أورليانز في كانون الثاني/يناير 2025، وأسفر عن مقتل 15 شخصاً وإصابة 30 آخرين.

ويقول إن “جهود المركز الوطني للتعاون القضائي الدولي، وبناءً على التحقيقات التي أجرتها محكمة تحقيق الكرخ الأولى، أسهمت في تحديد هوية المتهم وإلقاء القبض عليه في العراق، لثبوت انتمائه إلى ما يسمى بـ(مكتب العمليات الخارجية) التابع لعصابات داعش الإرهابية، واتخاذ الإجراءات القانونية بحقه وفقاً لقانون مكافحة الإرهاب”.

الجريمة العابرة للحدود

وعن أبرز التحديات، يوضح رئيس المركز أن “التحدي الأساسي هو أن الجريمة العابرة للحدود لا تتبع حدود الاختصاص القضائي لدولة واحدة، فقد يكون المتهم في العراق، والدليل في دولة ثانية، والضحية أو الشاهد في دولة ثالثة، فيما تكون أجزاء أخرى من التحقيق موزعة بين أكثر من جهة قضائية”.

ويضيف أن ذلك يترافق مع “اختلافات النظم والتشريعات القانونية، وحجم الأدلة الرقمية، وتعدد اللغات والجنسيات، وسرية التحقيقات، ومتطلبات حماية البيانات والأدلة، وضرورة حماية الشهود والناجين، والحفاظ في الوقت نفسه على سرعة الاستجابة للطلبات الدولية”.

ويؤكد أن المركز يعمل على “تطوير مستمر لآليات إدارة الأدلة والمعلومات، وتوسيع قنوات الاتصال المباشر مع الجهات النظيرة، والاستثمار في الأدوات الرقمية والتدريب المتخصص، وإرساء أطر تعاون مؤسسية طويلة الأمد”.

ويرى أن “مذكرة العمل مع “يوروجست” تمثل مثالاً على الانتقال “من التعاون القائم على كل قضية بصورة منفردة إلى بنية تعاون مؤسسية مستدامة”.

رؤية المرحلة المقبلة

وبشأن المرحلة المقبلة، يقول جفات إن “رؤية المركز تنطلق من تحويل الخبرة التي اكتسبها القضاء العراقي في التعامل مع الإرهاب والجرائم المعقدة إلى قدرة مؤسسية مستدامة في مجال التعاون القضائي الدولي”.

ويضيف أن المركز يطمح إلى توسيع شبكة الشراكات القضائية مع الدول والمؤسسات الدولية، والعمل على التطوير المستمر لقدراته في إدارة الأدلة الرقمية، وتسريع آليات المساعدة القانونية وتبادل الأدلة، واستكمال العمل المتعلق بتوثيق جرائم عصابات داعش الإرهابية، مع تعزيز النهج الذي يضع حقوق الضحايا والناجين وكرامتهم وحمايتهم ضمن مسار العدالة.

ويختتم حديثه بالقول إن “الهدف الأبعد في المواصلة يتمثل في ترسيخ دوره بوصفه بوابة القضاء العراقي للتعاون القضائي مع العالم، مستنداً إلى ما حققه من شراكات ونتائج عملية في تبادل الأدلة والمعلومات ودعم التحقيقات والملاحقات العابرة للحدود”.

كما يتطلع المركز، بحسب جفات، إلى توسيع هذا الدور وتطوير أدواته وآلياته وتعزيز شبكة شراكاته الدولية، “بما يرسخ مكانة العراق بشكل أكبر كشريك فاعل في منظومة التعاون القضائي الدولي، ويسهم بصورة أكبر في مكافحة الجرائم العابرة للحدود، وتعزيز المساءلة وتحقيق العدالة”.

Leave a Comment