راديو موصل تايم | تقرير

لم تعد مشروبات الطاقة في العراق مجرد عبوات تُباع على رفوف المتاجر، بل تحولت خلال الفترة الأخيرة إلى جزء من حملات تسويقية تعتمد على الإعلانات والجوائز والمسابقات، في وقت يتزايد فيه إقبال الأطفال والمراهقين عليها، وسط تحذيرات صحية من آثارها.

القصة الأكثر إثارة للقلق جاءت من محافظة ديالى، حيث توفي صبي يبلغ من العمر 13 عاماً، يُدعى ذو الفقار وليد، في ناحية العبارة التابعة لقضاء بعقوبة، بعد تدهور حالته الصحية إثر تناوله ست علب من مشروب الطاقة ونقله إلى مستشفى بعقوبة التعليمي، قبل أن يفارق الحياة، وفق ما نقلته مصادر رسمية

وبحسب روايات متداولة في عدد من المنصات، فإن الصبي كان يستهلك المشروب في إطار محاولة للفوز بجائزة، فيما أشارت تلك الروايات إلى أنه كان مصاباً بالسكري من دون علمه. وهذه الجزئية تحديداً تحتاج إلى تأكيد طبي ورسمي مستقل، ولا يمكن الجزم بأنها سبب الوفاة من دون نتائج الطب العدلي والسجل الطبي.

لكن القضية تفتح سؤالاً أكبر من حادثة واحدة:

من يدفع الأطفال إلى استهلاك هذه المشروبات بكميات كبيرة؟ ومن يقف خلف مسابقات الجوائز التي تجعل عبوة المشروب تبدو وكأنها طريق إلى سيارة أو هاتف؟

الجوائز.. عندما يصبح الاستهلاك جزءاً من المسابقة

في أيار/مايو 2026، أصدرت وزارة الصحة العراقية كتاباً يتعلق بمصادرة أحد أنواع مشروبات الطاقة من الأسواق، بعدما تبين للوزارة، ، أن المنتج لم يحصل على موافقة وزارة الصناعة المطلوبة لإنتاجه.

وكان المنتج، المعروف باسم «فور يو»، قد ارتبط بحملة ترويجية أعلنت عن جوائز تضمنت 10 سيارات تاهو و250 هاتف آيفون، بحسب التقرير المنشور آنذاك. كما ذكرت مصادر أن جهاز الأمن الوطني أوقف مروجاً معروفاً على تيك توك للتحقيق في مصدر دخله على خلفية القضية.

وهنا تظهر حلقة تستحق التحقيق:

مشروب + إعلان واسع + جائزة كبيرة + جمهور من المراهقين + سهولة الشراء = حافز قد يدفع بعض صغار السن إلى زيادة الاستهلاك أملاً في الفوز.

ولا يعني ذلك، من الناحية القانونية أو الطبية، أن حملة جوائز بعينها تسببت في وفاة الطفل في ديالى؛ فهذا يحتاج إلى إثبات رسمي. لكن تزامن الحادثة مع انتشار هذا النوع من التسويق يطرح ضرورة فحص العلاقة بين آليات الترويج وسلوك المستهلكين القاصرين.

ماذا تقول الدراسات الطبية؟

المخاوف ليست عراقية فقط.

مراجعة علمية منهجية شملت 57 دراسة حول استهلاك مشروبات الطاقة لدى الأطفال والشباب وجدت ارتباطات بين استهلاكها وعدد من الآثار الصحية والسلوكية، كما أشارت إلى أن مشروبات الطاقة تحتوي عادةً على كميات مرتفعة من الكافيين، إلى جانب السكر والمنبهات الأخرى. (DOI)

وتشير مراجعة أخرى تناولت حالات صحية سلبية لدى القاصرين إلى أن 45% من الحالات التي جرى تحليلها كانت مرتبطة بالجهاز القلبي الوعائي، مع وجود أمراض أو عوامل صحية سابقة في نسبة من الحالات. (PubMed Central (PMC))

كما خلصت مراجعة منشورة عام 2026 إلى أن الجرعات المرتفعة من الكافيين لدى الأطفال والمراهقين يمكن أن ترتبط باضطرابات في نظم القلب وتغيرات في تخطيط القلب، مع تسجيل حالات شملت تسارع القلب واضطرابات نظم مختلفة. (PubMed)

المشكلة ليست في «الطاقة» فقط

المشكلة الأوسع أن الطفل قد لا يعرف كمية الكافيين التي يدخلها إلى جسمه، ولا يدرك أن تناول عدة عبوات خلال فترة قصيرة يختلف تماماً عن تناول عبوة واحدة.

وفي العراق، حذر مركز الدراسات العربية والدولية في الجامعة المستنصرية من مخاطر استهلاك الأطفال لمشروبات الطاقة، مشيراً إلى احتوائها على نسب مرتفعة من الكافيين والسكريات، وما يمكن أن يرتبط بذلك من اضطرابات النوم وزيادة معدل ضربات القلب وزيادة الوزن. كما أشار المركز إلى أن الإعلانات والجوائز أصبحت من العوامل التي تجذب الأطفال إلى هذه المنتجات.

من المسؤول؟

السؤال هنا لا ينبغي أن يتوقف عند الطفل أو عائلته.

هناك عدة أطراف تستحق المساءلة والتحقيق:

الشركات المنتجة والمستوردة:
هل المنتجات حاصلة على الموافقات المطلوبة؟ وهل مكوناتها مطابقة للمواصفات؟ وهل التحذيرات الصحية واضحة؟

المعلنون والمؤثرون:
هل تستهدف الحملات التسويقية الأطفال والمراهقين بصورة مباشرة أو غير مباشرة؟ وهل يتم توضيح شروط المسابقات والجوائز ومخاطر الإفراط في الاستهلاك؟

المتاجر:
هل تُباع هذه المنتجات للأطفال من دون أي قيود أو تحذيرات؟

الجهات الرقابية:
كيف دخلت بعض المنتجات إلى الأسواق؟ وهل توجد متابعة حقيقية لحملات الجوائز والإعلانات؟ وهل تُسحب المنتجات المخالفة بسرعة؟

وأخيراً الأسرة والمدرسة:
هل يعرف الطفل أصلاً ماذا يشرب؟

جائزة قد تساوي حياة؟

عندما يصبح الإعلان قائماً على فكرة: «اشترِ أكثر.. جرّب حظك.. اربح سيارة»، فإن السؤال الذي يجب أن يطرح هو: هل نحن أمام تسويق لمنتج غذائي، أم أمام نموذج تسويقي قد يشجع على الاستهلاك المفرط؟

وفاة ذو الفقار في ديالى لا تكفي وحدها لإثبات أن الجائزة تسببت في وفاته، ولا يجوز طبياً أو قانونياً اختزال سبب الوفاة في مشروبات الطاقة قبل صدور النتائج الرسمية.

لكن وفاة طفل في الثالثة عشرة بعد تناول ست عبوات خلال فترة قصيرة، بحسب المصادر الأمنية والإخبارية، تستحق أن تكون جرس إنذار حقيقياً أمام الجهات الصحية والرقابية والتعليمية.

فالطفل الذي يدخل متجرًا لشراء مشروب قد لا يرى خلف العبوة سوى صورة سيارة، أو هاتف، أو وعد بالفوز.

أما الجهات المعنية، فعليها أن ترى ما هو أبعد من ذلك:

من صنع هذه الحملة؟
من رخص المنتج؟
من سمح ببيعه؟
من راقب الإعلان؟
ومن يضمن ألا تتحول الجائزة من وسيلة للترويج إلى سبب لمأساة جديدة؟

Leave a Comment