شركات صيرفة موصلية تشتكي من القيود والتعقيدات.. ومطالبات بكشف آلية توزيع الدولار وإنهاء ما تصفه بالإقصاء عن سوق العملة الأجنبية
الموصل – تقرير خاص
في مدينة تحاول استعادة مكانتها الاقتصادية بعد سنوات الحرب والدمار، يبرز ملف الدولار بوصفه واحداً من أكثر الملفات إثارة للجدل بين أصحاب شركات الصيرفة في نينوى والجهات المالية الاتحادية. فبينما تتجه الأنظار إلى إعادة تشغيل مطار الموصل الدولي وتحريك عجلة الاستثمار والتجارة، تتصاعد شكاوى من داخل القطاع المالي المحلي بشأن صعوبة وصول الشركات الموصلية إلى نافذة بيع العملة الأجنبية، وما يصفه أصحابها بتعقيدات إدارية لا تزال تحول دون حصولهم على فرص مماثلة لتلك المتاحة لشركات في محافظات أخرى.
ولا يتعلق الأمر، بحسب هذه الشكاوى، بمجرد الحصول على الدولار، بل بمن يمتلك حق الوصول إلى السوق، ومن يتحمل كلفة الإجراءات، ومن يستفيد من حركة الأموال المرتبطة بمسافري نينوى وتجارها وشركاتها.
من يستفيد من دولار الموصل؟
تتمحور الشكوى الأساسية حول ما يقول أصحاب شركات الصيرفة في نينوى إنه غياب فرص متكافئة للمشاركة المباشرة في منظومة بيع الدولار، الأمر الذي يضطرهم، وفق إفاداتهم، إلى التعامل مع إجراءات معقدة أو مراجعة بغداد لإنجاز معاملات ترتبط بنشاط شركاتهم داخل المحافظة.
وتزداد حساسية الملف عندما تكون الشركة المستفيدة من التعاملات المرتبطة بسوق الموصل مسجلة خارج نينوى، بينما تجد شركات محلية، أسسها أبناء المدينة وتعمل في سوقها، نفسها أمام متطلبات تصفها بالصعبة والمكلفة.
وهنا يبرز السؤال الذي يستحق إجابة رسمية واضحة: إذا كان النشاط الاقتصادي في الموصل هو مصدر الطلب، فلماذا لا تتاح للشركات المحلية المؤهلة فرصة عادلة لتلبية هذا الطلب، بدلاً من ترك السوق رهينة الوسطاء والإجراءات المركزية؟
إن وجود شركة من بغداد أو من محافظة أخرى في سوق نينوى ليس مخالفة بحد ذاته؛ فحرية العمل والتنافس حق مشروع. لكن المشكلة، إن ثبت تفاوت شروط الوصول إلى الدولار بين الشركات المتشابهة في وضعها القانوني، ستكون في عدالة الإجراءات ومعايير الاختيار، لا في مكان تسجيل الشركة وحده.
شكوى ليست جديدة.. ونينوى طالبت بحقها منذ سنوات
اللافت أن هذه القضية ليست مجرد انطباع عابر أو خلاف طارئ.
ففي 26 آذار 2024، نشرت الوكالة الوطنية العراقية للأنباء «نينا» تقريراً نقلت فيه عن عبد الله خليل، مسؤول رابطة شركات الصرافة في الموصل، مطالبة شركات المدينة بإدخالها إلى النافذة الإلكترونية الخاصة ببيع العملة الأجنبية.
وبحسب التصريح المنشور، قالت الرابطة إن شركات الموصل تطالب منذ أكثر من عام بشمولها بهذه المنظومة، وإن استمرار استبعادها، وفق وصفها، ألحق أضراراً بملف التحويلات المالية والتعامل مع شركات الصرافة العالمية، فضلاً عن الوصول إلى الدولار.
المصدر: وكالة نينا – شركات الصرافة في الموصل تطالب بإدخالها إلى نافذة بيع العملة.
وفي 5 آذار 2025، عادت شبكة «964» إلى الملف، ونقلت عن ممثل شركات الصيرفة في نينوى أن الشركات المحلية امتثلت، بحسب إفادته، لمتطلبات دمج كل عشر شركات في شركة واحدة من الفئة (A)، لكن الإجراءات الإدارية ظلت، وفق قوله، تعرقل دخولها إلى نافذة الدولار.
وأشار التقرير إلى أن نينوى كانت تضم عشرات شركات الصيرفة قبل توقف نشاطها المرتبط بالدولار، وأن شركتين فقط كانتا قد استوفتا متطلبات الدمج آنذاك، مع وجود شركات أخرى مستعدة لاستكمال الإجراءات
المصدر: شبكة 964 – حرمان نينوى وكركوك وتكريت من الدولار.. حان الوقت يا بغداد فالمطار جاهز.
وتكشف هذه الإفادات عن مشكلة ممتدة تستحق مراجعة مؤسسية، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات وجود قرار متعمد بحرمان نينوى أو منح امتيازات غير قانونية لشركات بعينها. إثبات ذلك يحتاج إلى بيانات رسمية ومقارنة فعلية بين الطلبات المقدمة والطلبات المقبولة والمرفوضة وأسباب كل قرار.
ما الذي يقوله البنك المركزي؟ وأين تكمن المشكلة؟
يضع البنك المركزي العراقي تنظيم سوق العملة الأجنبية ضمن إطار رقابي يهدف إلى ضبط المعاملات والتحقق من المستفيدين ومكافحة المخالفات المالية.
وفي 28 تموز 2021، نشر البنك ضوابط تنظيم عمل شركات الصرافة وشركات التوسط ببيع وشراء العملات الأجنبية، محدداً الإطار التنظيمي لعمل هذه الشركات.
المصدر: البنك المركزي العراقي – ضوابط تنظيم عمل شركات الصرافة.
كما نشر البنك في 22 شباط 2026 قوائم بالمصارف والشركات المقيدة من التعامل بالدولار، ضمن إجراءات الإصلاح والامتثال في القطاع المالي.
المصدر: البنك المركزي العراقي – قوائم المقيدين من التعامل بعملة الدولار.
ومن هنا، لا يمكن اعتبار كل شرط تنظيمي استهدافاً لنينوى؛ فالمتطلبات الرقابية قد تكون مشروعة وضرورية إذا طُبقت على الجميع بصورة متساوية. لكن السؤال الجوهري هو: هل تتاح للشركات الموصلية فرصة عملية لاستيفاء هذه المتطلبات؟ وهل تُنجز طلباتها ضمن مدد معقولة؟ وهل تُمنح أسباب واضحة ومكتوبة عند الرفض أو التأخير؟
إن نشر الضوابط العامة لا يجيب وحده عن هذه الأسئلة. المطلوب هو نشر بيانات التطبيق الفعلي، بما يسمح بالتحقق من أن الشركات في نينوى تخضع للمعايير نفسها، وتحصل على فرص متكافئة عند استيفاء الشروط ذاتها.
الدولار المخصص للمسافر.. رحلة تبدأ من الموصل وتنتهي في المطار
في 4 تموز 2024، أعلن البنك المركزي العراقي آلية جديدة لتسليم الدولار للمسافرين، دخلت حيز التنفيذ في 14 تموز من العام نفسه.
ووفق الآلية المعلنة، يستطيع المسافر مراجعة شركة صيرفة مجازة في مدينته، وإيداع المبلغ بالدينار وفق سعر الصرف الرسمي، ثم استلام وصل بالعملية، على أن يتسلم الدولار النقدي داخل المطار الدولي عبر المنافذ المعتمدة.
المصدر: البنك المركزي العراقي – الآلية الجديدة لتسليم دولار المسافرين.
هذه الآلية تجعل وجود شركات مؤهلة وفاعلة في المحافظات أمراً مهماً لتسهيل الإجراءات على المواطنين. لكن يجب التمييز هنا بين أمرين: حصة المسافر من الدولار وفق الضوابط، وحصة الشركة من عمليات بيع العملة الأجنبية أو التحويلات. فهما مساران مختلفان، ولا يصح التعامل معهما باعتبارهما حصة واحدة.
وبحسب شكاوى أصحاب الصيرفة في الموصل، فإن تعقيد وصول الشركات المحلية إلى المنظومة ينعكس على قدرتها على خدمة المسافرين والتجار. وإذا كانت بعض الشركات تضطر فعلاً إلى إنجاز معاملات مرتبطة بنشاطها في بغداد، فإن ذلك يضيف وقتاً وكلفة ويطرح تساؤلات بشأن مدى اللامركزية في تقديم الخدمات المالية.
لكن لا تتوافر في المصادر التي جرى الاطلاع عليها بيانات رسمية حديثة تثبت مقدار حصة نينوى المحرومة، أو إجمالي الدولار الذي حصلت عليه الشركات الموصلية مقارنة بشركات بغداد والمحافظات الأخرى خلال الفترة نفسها. لذلك، تبقى هذه النقطة بحاجة إلى كشف رسمي بالأرقام، لا إلى تقديرات عامة.
مطار الموصل.. مشروع استراتيجي لا يكتمل بالمدرج وحده
تتصل قضية الدولار بمستقبل مطار الموصل الدولي، بوصفه أحد المشاريع التي يُعوّل عليها لتقليل أعباء السفر وتعزيز حركة الأعمال والاستثمار.
وفي 6 تشرين الثاني 2025، أفادت وكالة الأنباء العراقية «واع» بهبوط أول رحلة رسمية داخلية للخطوط الجوية العراقية في المطار، مع إعلان خطط لتسيير رحلات إلى بغداد والبصرة والنجف، والتوجه لاحقاً نحو وجهات دولية.
المصدر: واع – نينوى: خطط لتسيير رحلات داخلية من مطار الموصل.
لكن الصورة التشغيلية ظلت بحاجة إلى استكمال؛ ففي 10 حزيران 2026، أعلنت سلطة الطيران المدني أن افتتاح المطار لا يزال مرتبطاً باستكمال متطلبات أساسية وإجراءات فنية وتنظيمية.
المصدر: واع – سلطة الطيران المدني توضح أسباب عدم افتتاح مطار الموصل حتى الآن.
وهذا يعني أن المطار، رغم أهميته الاستراتيجية والرحلات التي شهدها، لا يمكن اعتباره حتى الآن بديلاً مكتملاً عن جميع منافذ السفر الدولية العاملة.
ومن هنا، فإن المطالبة بمنظومة مالية أكثر فاعلية في نينوى لا ينبغي أن تنتظر اكتمال تشغيل المطار؛ إذ إن حاجة المواطنين إلى الدولار للسفر والعلاج والدراسة والتجارة قائمة بالفعل.
وفي المقابل، لا بد من التأكيد أن تشغيل المطار وتوزيع الدولار ملفان مؤسسيان منفصلان، ولا يوجد في المصادر المذكورة ما يثبت أن تأخر تشغيل المطار مرتبط مباشرة بقرارات توزيع العملة الأجنبية.
هل توجد ازدواجية في تطبيق التعليمات؟
هذا هو السؤال الأكثر أهمية في القضية، وهو أيضاً السؤال الذي يحتاج إلى أدلة قابلة للفحص.
إذا كانت شركة موصلية تستوفي الشروط نفسها التي تستوفيها شركة في بغداد، ثم تتأخر معاملتها دون مبرر واضح، فإن ذلك يستوجب مراجعة إدارية ومساءلة عن أسباب التأخير.
وإذا كان دمج الشركات شرطاً للحصول على تصنيف معين، فيجب أن تكون إجراءات الدمج والتقييم واضحة، وأن يحصل المتقدمون على إجابات محددة ضمن مدد معلومة.
أما إذا كانت هناك شركات محلية لم تستوفِ المتطلبات الرقابية، فمن حق البنك المركزي تطبيق القانون عليها، بشرط أن يطبق المعايير نفسها على الجميع، وألا يتحول موقع الشركة الجغرافي إلى عائق غير منصوص عليه في التعليمات.
وللتحقق من وجود تفاوت فعلي، ينبغي مطالبة البنك المركزي بنشر أو إتاحة البيانات الآتية:
- عدد شركات الصيرفة في نينوى التي تقدمت بطلبات للدخول إلى نافذة بيع العملة، وعدد الطلبات المقبولة والمرفوضة والمعلقة.
- أسباب رفض الطلبات أو تأخيرها، مع توضيح المدد اللازمة للبت فيها.
- أعداد الشركات المستفيدة في بغداد ونينوى، مصنفة بحسب نوع النشاط والفئة القانونية، مع مقارنة الشركات المتشابهة في استيفاء الشروط.
- حجم عمليات بيع الدولار المخصصة للمسافرين التي تنفذها الشركات العاملة في نينوى، مقارنة بحجم الطلب الفعلي.
- آليات الاعتراض على القرارات، ومدى إمكان إنجاز المعاملات إلكترونياً دون مراجعات متكررة إلى العاصمة.
هذه البيانات وحدها يمكن أن تنقل القضية من دائرة الشكوى والانطباع إلى دائرة التدقيق والمساءلة القائمة على الأدلة.
لماذا نينوى؟ وهل تدفع الموصل ثمن ضعف التمثيل؟
لا يمكن الجزم بأن نينوى تتعرض لاستهداف متعمد أو أن النفوذ السياسي هو السبب المباشر في وضع شركاتها، من دون وثائق تثبت ذلك. لكن استمرار الشكاوى لسنوات يفرض سؤالاً سياسياً وإدارياً مشروعاً: أين دور ممثلي نينوى في الدفاع عن مصالح قطاعها المالي؟ ولماذا لم تُحسم المشكلة بصورة نهائية وواضحة، إذا كانت المتطلبات قابلة للاستيفاء؟
فالموصل ليست سوقاً هامشية؛ إنها مركز اقتصادي يخدم محافظة واسعة، وترتبط بها مصالح تجارية وإنسانية مع محافظات مجاورة وإقليم كردستان. وأي تعقيد غير مبرر في خدماتها المالية قد ينعكس على التجار والطلبة والمرضى والمسافرين، فضلاً عن الشركات التي توظف العاملين وتدفع الرسوم والضرائب.
إن المطلوب ليس استثناء شركات الموصل من القانون، ولا منحها امتيازاً على حساب شركات المحافظات الأخرى؛ المطلوب هو أن تكون أمامها فرصة عادلة ومعلنة للمنافسة، وأن تُحسم معاملاتها وفق معايير مهنية قابلة للمراجعة.
وإذا كانت المشكلة في نقص شركة مستوفية لشروط الفئة (A)، فالحل ينبغي أن يكون مساراً واضحاً لاستكمال المتطلبات. وإذا كانت في التأخير الإداري، فالحل نشر مدد الإنجاز ومحاسبة الجهات المقصرة. وإذا كانت هناك قيود تنظيمية تحول دون دخول شركات نينوى إلى المنظومة، فمن حق الرأي العام معرفة أساسها القانوني ومبرراتها.
ما المطلوب من البنك المركزي والحكومة المحلية؟
أمام هذه المعطيات، تبرز مجموعة مطالب يمكن أن تشكل أساساً لمعالجة الملف:
أولاً: أن يصدر البنك المركزي توضيحاً حديثاً بشأن وضع شركات الصيرفة في نينوى، وعدد الشركات المؤهلة للدخول إلى نافذة بيع العملة، وأسباب عدم قبول الطلبات التي لم تستكمل إجراءاتها.
ثانياً: أن تُراجع معاملات الشركات الموصلية المعلقة، مع تحديد نواقص كل طلب بصورة مكتوبة وجدول زمني لاستكماله.
ثالثاً: أن تُعلن معايير موحدة وشفافة لتوزيع عمليات بيع الدولار والتحويلات المالية، بما يمنع أي تمييز قائم على الموقع الجغرافي أو العلاقات غير الرسمية.
رابعاً: أن تتحرك الحكومة المحلية وممثلو نينوى لمتابعة الملف مع البنك المركزي والجهات المختصة، بدلاً من الاكتفاء بتجدد المطالبات كل عام.
خامساً: أن يُفصل بين الرقابة الضرورية على سوق العملة وبين الإجراءات الإدارية التي يمكن تبسيطها إلكترونياً، بما يضمن الامتثال للقانون دون تحميل الشركات والمواطنين أعباء غير مبررة.
الخلاصة: القضية ليست دولاراً فقط.. بل عدالة الوصول إلى الفرص
إن أخطر ما في هذا الملف ليس مجرد صعوبة حصول شركة على الدولار، بل احتمال أن تتحول الإجراءات المركزية، إذا لم تكن شفافة ومتساوية التطبيق، إلى عائق أمام تعافي النشاط الاقتصادي في مدينة دفعت ثمناً باهظاً خلال سنوات الحرب.
ومن حق أصحاب شركات الصيرفة في الموصل أن يعرفوا لماذا تُقبل معاملات وتُرفض أخرى، ومن حق المواطنين أن يحصلوا على الخدمات المالية وفق قواعد واضحة، ومن واجب البنك المركزي أن يثبت بالأرقام أن معاييره تُطبق على الجميع دون استثناء.
فهل تكشف الجهات المختصة بالأرقام حقيقة حصة نينوى من الدولار، وأسباب تعثر شركاتها، والفارق بينها وبين الشركات العاملة في بغداد؟ أم يبقى ملف العملة الأجنبية في الموصل رهينة الشكاوى والمراجعات والانتظار؟
السؤال اليوم ليس: هل تستحق الموصل استثناءً؟ بل: هل تحصل الموصل على حقها في تطبيق القانون بعدالة، وعلى فرصة اقتصادية متكافئة مع بقية المحافظات؟
هذا ما ينتظر أصحاب الشركات والمواطنون إجابة واضحة عنه، بعيداً عن الاتهامات غير المثبتة، وقريباً من الوثائق والأرقام والمساءلة
المصادر تثبت وجود مطالبات وشكاوى متكررة من شركات الصيرفة في الموصل، لكنها لا تثبت حتى الآن وجود قرار رسمي بالتنكيل بنينوى، أو أن شركة بعينها حصلت على حصة الدولار بسبب النفوذ. لإثبات ذلك، نحتاج إلى رد البنك المركزي، وبيانات التخصيص الفعلية، وأسماء الشركات المستفيدة وشروط قبولها، مع إتاحة حق الرد للجهات المعنية.
