تقرير راديو موصل تايم
بعد سنوات من الخراب والنزاعات القانونية وتعثر مشاريع الإعمار، يصوّت مجلس محافظة نينوى على تولي هيئة الاستثمار إدارة إجراءات طرح فندقي نينوى الدولي «أوبروي» والموصل الدولي للاستثمار، وإعداد ملف متكامل خلال 90 يوماً، في خطوة تفتح الباب أمام إعادة إحياء اثنين من أبرز المعالم الفندقية في المدينة.
لم تكن قصة فندقي نينوى الدولي، المعروف باسم «أوبروي»، والموصل الدولي مجرد حكاية منشأتين تضررتا خلال الحرب على تنظيم داعش، بل أصبحت عنواناً لملف إعمار طويل تداخلت فيه الأضرار العسكرية مع التعقيدات الإدارية والقانونية، وسط تساؤلات عن أسباب تأخر إعادة تشغيلهما رغم مرور سنوات على تحرير الموصل.
ويأتي قرار مجلس محافظة نينوى الأخير ليعيد الملف إلى واجهة الاهتمام، مع تكليف هيئة الاستثمار بإدارة إجراءات طرح الفندقين للاستثمار وإعداد ملف متكامل خلال 90 يوماً، بما يضع الجهات المعنية أمام استحقاق يتعلق بكيفية تحويل القرار إلى خطوات تنفيذية واضحة، تنتهي بإعادة هذين المرفقين إلى الخدمة، وتعزيز قدرة الموصل على استقبال الزائرين والوفود والمستثمرين.
أوبروي.. معلم سياحي أنهكته الحرب والنزاعات
يُعد فندق نينوى الدولي «أوبروي» من أبرز المنشآت الفندقية التي عرفتها الموصل منذ ثمانينيات القرن الماضي. يقع الفندق في الجانب الأيسر من المدينة، بالقرب من منطقة الغابات السياحية، ويطل على نهر دجلة، وكان يمثل أحد أبرز مرافق الضيافة الراقية في نينوى، بما امتلكه من موقع مميز وتصميم معماري وحضور في الحياة السياحية والاقتصادية للمدينة.
افتُتح الفندق في ثمانينيات القرن الماضي، وتولى تشغيله في مرحلة من تاريخه اسم مجموعة «أوبروي» الهندية الفندقية، التي ارتبط اسمها بالفنادق الفاخرة. ولم يكن الفندق مجرد مكان للإقامة، بل شكّل جزءاً من صورة الموصل بوصفها مدينة قادرة على استضافة الوفود الرسمية ورجال الأعمال والزائرين.
لكن مسيرة الفندق تعرضت لانتكاسات متعاقبة، إذ تشير الروايات التاريخية المتاحة إلى تعرضه للنهب والتخريب بعد عام 2003، قبل أن تتفاقم محنته عقب سيطرة تنظيم داعش على الموصل في حزيران 2014. وخلال فترة الاحتلال، غُيّر اسمه إلى «فندق الوارثين»، وتعرضت أجزاء من مبناه ومرافقه الداخلية للتخريب، فيما لحقت به أضرار جسيمة خلال العمليات العسكرية لتحرير المدينة في عام 2017.
وبعد التحرير، لم تكن إعادة تأهيل أوبروي مهمة بسيطة؛ فحجم الأضرار والحاجة إلى أعمال إنشائية وفنية واسعة جعلا المشروع يتطلب تمويلاً كبيراً وخطة متكاملة لإعادته إلى مستوى فندق من فئة خمس نجوم.
وفي تشرين الثاني 2021، نقلت الوكالة الوطنية العراقية للأنباء عن مدير هيئة استثمار نينوى آنذاك تقديراً بأن إعادة الفندق إلى الخدمة بهذه المواصفات تحتاج إلى نحو 76 مليار دينار عراقي، وهو رقم يعكس حجم التحدي المالي الذي واجه المشروع منذ البداية.
فندق الموصل الدولي.. حجر أساس لم يتحول إلى إنجاز مكتمل
على الضفة الأخرى من دجلة، وتحديداً في الجانب الأيمن من الموصل، يبرز ملف فندق الموصل الدولي بوصفه نموذجاً آخر لتعثر إعادة إعمار المنشآت السياحية الكبرى في نينوى.
شُيّد الفندق في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، وكان من المنشآت الفندقية المهمة في المدينة، قبل أن يتعرض للنهب والإهمال بعد عام 2003، ثم لأضرار ودمار كبيرين خلال فترة سيطرة تنظيم داعش والعمليات العسكرية التي شهدتها الموصل لاستعادتها.
وفي 12 أيار 2023، وضع رئيس الوزراء محمد شياع السوداني حجر الأساس لمشروع إعادة إعمار الفندق، فيما أُعلنت إحالة المشروع إلى شركة محلية، مع تحديد مدة عامين لتنفيذه وفق التصريحات التي نقلتها الوكالة الوطنية العراقية للأنباء. كما باشرت بلدية الموصل رفع الأنقاض تمهيداً لإعادة البناء.
غير أن وضع حجر الأساس لم يكن كافياً لضمان عودة الفندق إلى العمل ضمن المدة المعلنة. ففي شباط 2024، تناول تقرير لوكالة شفق نيوز العقبات التي واجهت المشروع، مشيراً إلى مشكلات مرتبطة بملف الاستثمار وآلية إدارة الجهات المعنية، رغم إزالة المبنى المتضرر تمهيداً لإعادة إنشائه.
وفي آب 2024، أعلنت وزارة الثقافة والسياحة والآثار منح هيئة الاستثمار الوطنية الفرصة الاستثمارية الخاصة بفندق الموصل الدولي، في محاولة لدفع المشروع نحو مرحلة جديدة من الإجراءات الاستثمارية.
وتكشف هذه المحطات عن فجوة بين الإعلان عن المشاريع وبدء تنفيذها وإنجازها فعلياً؛ فإزالة الأنقاض وإعلان الفرص الاستثمارية ووضع حجر الأساس تمثل خطوات تمهيدية مهمة، لكنها لا تعني بالضرورة أن إعادة الإعمار قد دخلت مرحلة الإنجاز النهائي.
أوبروي.. نزاع قضائي عطّل عودة الفندق
لم تتوقف أزمة فندق نينوى الدولي عند الأضرار التي لحقت به خلال الحرب، بل امتدت إلى نزاع قانوني طويل بشأن عقد الاستثمار السابق، وهو ما أدى إلى تأخر حسم مستقبله لسنوات.
وفي آب 2024، أوضح وزير الثقافة والسياحة والآثار أحمد فكاك البدراني أن ملف الفندق كان لا يزال مرتبطاً بإجراءات قضائية، رغم تقدم الوزارة في متابعة القضية.
وفي 29 كانون الأول 2024، أعلن محافظ نينوى عبد القادر الدخيل مصادقة محكمة التمييز الاتحادية على قرار فسخ عقد المستثمر السابق، بعد نزاع بين وزارة الثقافة والجهة المستثمرة. ومثّل القرار تطوراً مهماً في مسار القضية، لكنه لم يكن بحد ذاته إعلاناً عن اكتمال إعادة تأهيل الفندق أو افتتاحه.
وفي أيلول 2025، أُعلن عن إحالة أوراق الفندق إلى هيئة استثمار نينوى لاستكمال إجراءات منح الإجازة الاستثمارية، في خطوة هدفت إلى الانتقال من معالجة الملف القانوني إلى مرحلة الاستثمار والتنفيذ.
ثم أعلنت هيئة استثمار نينوى في أيار 2026 حسم النزاع القانوني بعد كسب الدعوى وفسخ عقد المستثمر السابق، مع التوجه إلى استكمال الإجراءات اللازمة للتعاقد مع شركة جديدة متخصصة في القطاع السياحي.
وتوضح هذه التطورات أن مشكلة أوبروي لم تكن مقتصرة على كلفة الإعمار، بل شملت أيضاً تعقيدات العقود وتداخل الإجراءات بين الجهات الحكومية، وهو ما أبقى أحد أهم الأصول السياحية في المحافظة خارج الخدمة طوال سنوات.
ماذا يعني قرار مجلس نينوى الجديد؟
يمثل تصويت مجلس محافظة نينوى على تولي هيئة الاستثمار إدارة إجراءات طرح فندقي نينوى الدولي والموصل الدولي للاستثمار وإعداد ملف متكامل خلال 90 يوماً فرصة لإعادة تنظيم الملفين ضمن مسار إداري أكثر وضوحاً.
وتكمن أهمية القرار في أنه يجمع الفندقين ضمن إطار عمل محدد زمنياً، بما يتيح مراجعة أوضاعهما القانونية والفنية، وتحديد متطلبات إعادة التأهيل، وإعداد الفرص الاستثمارية وشروطها، وصولاً إلى اختيار الجهات القادرة على تنفيذ المشاريع وفق ضوابط واضحة.
لكن نجاح الخطوة يرتبط بما سيتضمنه الملف المطلوب خلال الأشهر الثلاثة: هل سيشمل تقييماً إنشائياً شاملاً للأضرار؟ وهل ستُحدد الالتزامات المالية والاستثمارية بدقة؟ وما الضمانات التي ستُلزم المستثمرين بتنفيذ المشاريع وفق جداول زمنية معلنة؟ وكيف ستتم متابعة العقود ومنع تكرار حالات التعثر السابقة؟
هذه الأسئلة أساسية لضمان ألا يتحول القرار الجديد إلى حلقة أخرى في سلسلة الإعلانات التي سبقت الفندقين دون أن تنتهي إلى تشغيلهما.
السياحة والاقتصاد.. ما الذي تخسره الموصل؟
إن استمرار خروج الفندقين عن الخدمة لا يقتصر أثره على المباني المتضررة، بل يمتد إلى قدرة الموصل على استضافة المؤتمرات والفعاليات والوفود الرسمية والسياح ورجال الأعمال.
فالفنادق الكبرى تمثل جزءاً من البنية التحتية الضرورية لتنشيط السياحة، وتوفير فرص العمل، وتحريك قطاعات النقل والمطاعم والخدمات والتجهيزات، فضلاً عن دعم صورة المدينة بوصفها مركزاً تاريخياً وثقافياً واقتصادياً.
وقد شهدت الموصل خطوات أخرى لإعادة تأهيل منشآتها الفندقية؛ إذ أعلنت السلطات المحلية في أيلول 2024 وصول نسبة الإنجاز في مشروع فندق آشور إلى 80 بالمئة، مع خطط لتوسعة مرافقه. ويقدم ذلك مثالاً على أهمية انتقال المشاريع من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ الفعلي.
تسعون يوماً أمام اختبار التنفيذ
بعد سنوات من الدمار والنزاعات والتأجيل، لم يعد التحدي الأساسي هو الإعلان عن الرغبة في إعادة إعمار فندقي نينوى والموصل، بل تقديم نتائج قابلة للقياس، تبدأ بإنجاز الملف الاستثماري وتنتهي بعقود واضحة وأعمال ميدانية وجداول زمنية معلنة.
ويمثل قرار مجلس نينوى محطة جديدة في هذا المسار، لكنه سيكتسب قيمته الحقيقية بمدى الالتزام بمهلة التسعين يوماً، وشفافية الإجراءات، وكفاءة المستثمرين الذين ستتم إحالة المشروعين إليهم.
فالموصل التي تسعى إلى استعادة مكانتها الاقتصادية والثقافية تحتاج إلى أكثر من إعادة بناء ما دمرته الحرب؛ إنها تحتاج إلى إدارة استثمارية قادرة على تحويل المشاريع المتوقفة إلى مرافق تعمل وتوفر فرصاً حقيقية لأبنائها.
ويبقى السؤال الذي ينتظر الموصليون إجابته: هل تكون التسعون يوماً بداية فعلية لعودة فندقي نينوى والموصل، أم محطة جديدة في رحلة انتظار طال أمدها منذ تحرير المدينة؟
